الشيخ أحمد فريد المزيدي

199

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وقال الجنيد : الشكر ألا ترى نفسك أهلا للنعمة « 1 » . يقول الجنيد : الشكر فيه علة ؛ لأن الشاكر طالب لنفسه به المزيد ، فهو واقف مع اللّه تعالى على حظّ نفسه بالشكر « 2 » . قال الجنيد : ما دام الشاكر يطلب من اللّه المزيد بشكره فهو غريق في حظّ نفسه ، إنما الشكر أن يرى العبد أنه ليس بأهل أن تناله الرحمة ؛ لشهوده كثرة معاصيه « 3 » . قال الجنيد : إنه وقف على سائل ، فسأله ، فقال : حرّكني فعل لي . فقال الجنيد : لا ، ولكن فعل اللّه فيك يقتضي منك شكر ما جعله فيك « 4 » . قال الجنيد بن محمد : قال السريّ يوما : ما الشكر ؟ وكان إذا أراد أن يفيد الإنسان جعله سؤالا . فقلت له : أما الشكر عندي ألا يستعان على المعاصي بشيء من نعمه . فاستحسن ذلك ، وقال لي : أعد الكلام عليّ ، ثم قال : وأيّنا لا يستعين بنعمه على معاصيه ، ومكث حينا من الدهر يقول لي : كيف قلت لي في الشكر ؟ فأعيد الكلام عليه ، قال الجنيد : وهذا هو فرض الشكر ألا يعصى في نعمه « 5 » . اعتلّ الجنيد قدّس اللّه سرّه علة شديدة ، فكان يقول : ليس إلا ما قال ذو النون قدّس اللّه سرّه : يا من يشكر على ما يهب ، هب لنا ما نشكر « 6 » . وقال الجنيد : حقيقة الشكر العجز عن الشكر « 7 » .

--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 1 / 385 ) ، والإحياء للغزالي ( 4 / 85 ) ، والإيقاظ ( ص 191 ) وقال ابن عجيبة : قلت : القيام بها هو الاعتراف بها للمنعم وحده . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 385 ) ، ومدارج السالكين ( 2 / 244 ) . ( 3 ) انظر : الكواكب الدرية للمناوي ( 1 / 575 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 1 / 575 ) . ( 5 ) رواه البيهقي في الشعب ( 4 / 130 ) ، وأسنده للجنيد : أخبرنا أبو عبيد اللّه الحافظ أخبرني جعفر بن محمد الخواص حدثني الجنيد . . ( 6 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 272 ) . ( 7 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 398 ) .